حين يتحول لبنان إلى قاعدة أميركية عدوانية!

كتبهاجريدة الصراط المستقيم ، في 31 تشرين الأول 2007 الساعة: 13:03 م

نحن أمام الصورة الحقيقية التي لا يمكن إخفاؤها، عداك عن تلك التي اتضحت منذ فترة والتي تحول فيها البعض السياسي اللبناني إلى جندي منتفع في الإستراتيجيات الأميركية في المنطقة، فإن ما تم تناقله في الفترة الأخيرة التي رافقت أحداث نهر البارد والمرتبطة بتفاهم ما على جعل مطار القليعات المحاذي للحدود السورية قاعدة أميركية أعاد إلى الواجهة تصريحات بعض القادة العسكريين الأميركيين ومثلهم المحللون أمثال سيمور هيرش لطرحها ببعض التفاصيل والجدية هذه المرة.

القيادات العسكرية من البنتاغون الأميركي زارت لبنان لبحث الأمر ووضع الخطط أكثر من مرة تحت غطاء استمرار عقدة نهر البارد التي لم تحسم إلا بعد أن وصل هؤلاء لمبتغاهم، وليفهم من يريد أن يفهم المغزى الواقعي في هذه العقدة التي تواصلت بكثير من التضخيم والتضحية التي لم تكن لتعكس الحجم الحقيقي للمقصود من تدمير المخيم إلا إذا فهمنا ما دار في الكواليس لجهة مطار القليعات، وما يصدر مترافقا من أقاويل عن جهد ما لجعل الحدود اللبنانية- السورية «حدود حرب» بزرع قوات أو مراقبين دوليين لا تعني أيضاً إلا توسيعا في مفاهيم الارتهان لمشروع أكبر من مجرد «وقف التهريب» وهي اسطوانة مستوردة من خطاب سياسي على الحدود العراقية لجهة تحميل الآخر مسؤولية المأزق الذي غرقت فيه أميركا بالقول إن المقاومة ذات صبغة خارجية وليست عراقية.

ماذا يعني التذكير بمخاطر التوجهات الأميركية في لبنان؟
إذا كان لا يزال للعرب ذاكرة فليعيدوا شريط الأحداث التي سبقت غزو العراق وما رشح مؤخراً من الخطط الجهنمية لليمين الأميركي المحرض على غزو متدحرج لأكثر من بلد ومنطقة عربية، قد لا يكون العمل العسكري المباشر الخيار الوحيد بعد لعنة العراق، بل يمكن لهذه العقلية أن تعيد نسج الأكاذيب الإعلامية والسياسية بهدف الضغط والترويض السياسي، مع وجود مجندين عرب في جوقة اختراع المسببات لحصار تفرضه الإدارة الأميركية هنا وهناك في طريق ذلك الترويض الذي تعده مجموعة اليمين المحافظ أحد أهم المخارج من مآزق السنوات الأخيرة التي شكل العراق أكثر الحلقات استعصاءً، وبذات الوقت لا يمكن غض النظر عن إمكانية اتخاذ قرارات هوجاء لعمل عسكري في المنطقة كمهرب للورطة المتعمقة في الإستراتيجية الأميركية.
إذاً، المسألة ليست وليدة لحظة راهنة، ولبنان في العقيدة العسكرية الإستراتيجية الأميركية والإسرائيلية لم ولن يكون إلا حلقة في مسلسل واضح المعالم بتحويله إلى قاعدة متقدمة وضاغطة، دعك الآن من الحديث السياسي والدبلوماسي القائل إن لبنان لن يكون منطلقاً للعدوان أو الضغط على سورية أو الفلسطينيين أو حتى الاستقواء بالأميركي على قوى داخل البلد نفسه، فالمسألة لا تحتاج إلى «تهذيب» الخطاب التدليسي الذي اعتادت عليه بعض السياسات العربية، ومنها تلك التي تستخف بعقول الناس وتبيعهم بعض التصريحات العاطفية للتغطية على جوهر الفعل المناقض، في الإجابة على السؤال المتعلق بمن يمكّن العقيدتين الأميركية والإسرائيلية في لبنان تكمن حقيقية التوجه لتلك القوى التي حولت اتجاهات بوصلتها فباتت مجرد بيادق في اللعبة الاميركية الأكبر، وإن كان شعار الاستقلال والسيادة مرفوعا على رؤوس رماح الارتهان.
قد يحاجج البعض، كما العادة في الهروب من الحقيقة، بأن لبنان ليس الوحيد الذي تبني فيه أميركا قاعدة، وعليه يراد أن تمر الأمور تقليدا ربما للآخر، أو تحت شعار: «لا تحملوا لبنان أكثر مما يحتمل»، صحيح جداً ألا يُحمل لبنان أكثر مما يحتمل، لبنان المتنوع ولبنان صاحب الخصوصية التي لا تجدها في دول القواعد الأميركية لا يحتمل أن يتحول إلى قاعدة أميركية ضاغطة على الأوضاع العربية لمصلحة مشروع الهيمنة الإسرائيلي المربوط مباشرة بخدمة مصالح العقلية الامبريالية لليمين الأميركي المحافظ، ومن ثم تتحول تلك الحجة إلى حجة على هؤلاء الذين تحدثوا عن خروج من «الوصاية السورية» إلى وصاية مباشرة للأميركي الجريح في العراق وأفغانستان وفلسطين، الباحث عن إنجاز على الجبهة السورية أو الإيرانية، كما لا يمكن الاستفادة من أخطاء الآخرين لاستنساخها في حلة أكثر فجوراً، ولا يمكن لعاقل في هذا العالم العربي أن يقبل، مهما اختلف أو اتفق البعض مع سياسات سورية وغيرها، أن يتحول لبنان إلى خنجر في الخاصرة السورية، ولا يتحمل الوضع مجاملة هذا الطرف أو ذاك، وإذا كان العقل يقول إن هؤلاء الذين يأخذون لبنان إلى سلة أميركا إنما يأخذونه نحو سياسة المغامرات التي يمكن أن تودي إلى الهاوية بمستقبل البلد اللبناني الذي نعرفه اليوم.
من الواضح أن التاريخ لم يفد بعض الساسة العرب واللبنانيين بأن كل مراهناتهم على سياسة القوة الأميركية يمكن أن ترتد عليهم، وفي لبنان تحديداً، الذي شهد هروباً أميركيا في 1983، يبدو أن السقوط في مطبات النفعية والانتهازية تتكرر في تغيير التحالفات وممارسة السياسة على أساس المراهنة وليس المصالح الإستراتيجية، فمن القبور يحاول البعض إعادة صياغة 17 أيار جديدة بمعية أميركية هذه المرة، ومن الواضح أيضاً أن هؤلاء يراهنون على بعض المواقف العربية الرسمية المتحالفة مع الأميركي تحالفاً يمكن أن يدفع لبنان ثمنه غالياً إذا لم يعد هؤلاء حساباتهم بما يخدم مصلحة لبنان الموحد والحفاظ على السلم الأهلي الذي يفقد شكله وجوهره بفعل سياسة تجاهل الواقع اللبناني أولا وموقعه وعلاقاته الإقليمية ثانياً.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر