من هو حزب الله " البناء - التكتيك - الاستراتيجية - المواجهة - ردود الفعل "
كتبهاجريدة الصراط المستقيم ، في 14 آذار 2007 الساعة: 18:10 م
من هو حزب الله " البناء - التكتيك - الاستراتيجية - المواجهة - ردود الفعل "
دراسة شاملة
* مقدمة :
بداية وأمام عملية التشكيك ما ظهر منها وما بطن في حزب الله وأمام عملية إثارة النعرة المذهبية التي تتلسن بها ألسن مشبوهة على واقع الأمة الإسلامية وإثارتها في هذا الوقت بالذات الذي نحن أحوج به كأمة عربية بتوحيد كافة الطاقات وأليات العمل والمرجعيات لخوض معركة الشرف لهذه الأمة التي تخوضها بجد بعد 58 عام من وجود الكيان الصهيوني المغتصب على أرض فلسطين واحتلاله للمقدسات الإسلامية والمسيحية على حد سواء وتهديد وجودها التاريخي على أرض فلسطين .
لقد نادت بعض الأصوات ممن يسمون نفسهم مرجعيات سنية بالإفتاء بعدم نصرة حزب الله في معركته مع إسرائيل وفي إطار عمق مذهبي متشرذم عفن يستندوا إليه كصراع بين السنة والشيعة لأصحاب رسالة سماوية واحدة ونبي واحد هذا الإفتراء على نصوص الإفتاء يحمل في طيّاته إفتاء سياسي وإفتاء اقتصادي ، فنحن نعلم أن رؤوس الأموال الخليجية وما تمتلكه في جبال لبنان من أملاك ومصايف وقاعات ومتنزهات تقف وراء خلفية اتهام حزب الله بأنه قام بعملية توريطية للأمة العربية فهؤلاء يريدوا لبنان ملعب لنزواتهم التي لا تخلو من اللّهم وسهرات الليالي مستنفذين فيها الدولارات وبراميل البترول في ممارسات تحدث عنها الجميع وتحدثت عنها كثير من الصحف لا تليق بممارسات سنة أو شيعة .
هم يريدوا لبنان ليس بوجه حزب الله وليس بالوجه المقاوم وليس بالوجه الإسلامي وليس بحقيقة البندقية المقاومة التي تتصدى للمشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة وعندما عجزوا بل أقول عندما أخذوا خيارهم ومنذ زمن بالاصطفاف مع عجلة الإبريالية الأمريكية على حساب القضية الفلسطينية فالتاريخ له وجه واحد لهم منذ عام 1928إلى الثورة في فلسطين في عام 1936 والتي نادوا بسحب سلاحها مرورا بمجازر 1970 إلى التأمر على المقاومة الفلسطينية في لبنان عام 1976 والتأمر عليها وإخراجها من ساحة المواجهة مع إسرائيل في الجنوب اللبناني عام 1982 وجه واحد لا بديل له ولكن المعركة الآن بين القوى الحية العربية وقوى الاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية والعربية والمدعوم والمشارك من القوى الصليبية في العالم هي معركة كما أوضح شمون بيرز في تصريحيه الأخير بأنها معركة وجود ومصير للكيان الصهيوني ، لقد أحس هذا الكيان المغتصب ولأول مرة أن وجوده في خطر والمشروع الانبريالي في المنطقة الذي يحمل الشرق الأوسط الجديد في خطر وأن هناك قوى حية في المنطقة العربية مازالت متمسكة بكينونتها الإسلامية والوطنية مازالت تجابه وبندية التفوق الصهيوني التكنولوجي على الأرض ولأول مرة في تاريخ الصراع يخرج المستوطنين الإسرائيليين في ذعر من حاناتهم وملاهيهم إلى سراديب لتحمي وجودهم وأرواحهم .
معركة حزب الله والمقاومة الفلسطينية المؤتلفة الخيار والمصير في مواجهة إسرائيل دعت الحلف الأمريكي الصهيوني في المنطقة العربية أن يثيروا نزعة المذهبية لكي يحدثوا تفككا في قوى المقاومة بين سني وشيعي ، في حين أن الأمة الإسلامية بكل مذاهبها مستهدفة من الحملة الصهيونية الصليبية ، ولذلك ليس من الغريب أن يقوموا بعملية الإنحياز السياسي لحلف العدو مستخدمين أدوات الإعلام الموجه ونحو هذا التحالف الوطني والإسلامي الذي كسب مواقع حقيقة من التأييد في الوطن العربي بكامله والدول الإسلامية والمسلمون في كل أرجاء الأرض .
لقد اعتبروا أن هذا التأييد وما يحمله من زخم تهديد لوجودهم وعجزهم وتهديد لانحيازهم ولذلك أثاروا النزعة العشائرية وحاولوا تشويه دول الشيعة وما قيل من ارتباطات مع بريطانيا منذ عام 1928 هكذا قالوا وتحالف الشيعة مع شاه إيران الذي كان صديق وفي لإسرائيل وأمريكا ، ولكن الحقيقة إن دول الشيعة في العراق ودول السيستاني مشوها لمواقف الشيعة إجمالا بتحالف الشيعة وإفتاءات السيستاني بعدم مقاتلت قوات الاحتلال الأمريكي والدول المشبوه الذي يقوم به الشيعة في العراق مع القوات الأمريكية ضد قوى السنة والمقاومة العراقية ولذلك إثارة الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة والتي تحصد أرواحا متعددة الآن والمستفيد منها أمريكا وإسرائيل وكذلك الخاسر العراق والأمة الإسلامية .
ولكن الشيئ المحير والذي مازال المحللين الإستراتيجيين في المنطقة يبحثوا فيه هو دور إيران في محاربة تنظيم القاعدة ودول إيران الذي يعتبر مرشدا لحركة الشيعة في العراق ومواقفها في نفس الوقت الموقف المتناقض مع مواقفها السابقة ودورها في دعم حزب الله وبنيته وقوته منذ وجوده على الساحة اللبنانية بعد عام 1982 ودعم حزب الله كقوة مقاومة للوجود الإسرائيلي على أرض فلسطين ولي أن أقول في هذا المجال أن موقف إيران بما يحدث في العراق يتعلق بالأمن الإقليمي المباشر لإيران ، أما موقفها من حزب الله والقوى الإسلامية والمقاومة فإن ذلك يتعلق بالنفوذ السياسي في المنطقة والبعد الديني للوجود الصهيوني على أرض فلسطين فمنهم من رأى أن هناك فصل بين الموقف الإيراني في العراق وأفغانستان وما يدور من مواجهة في لبنان بين حزب الله وإسرائيل وأستطيع القول أن نقطة الضعف في السياسية الإيرانية هو هذا الفصل بين الموقفين فالعدو والاستعمار له وجه واحد وله مأرب واحدة والذي لخصها بوش الحرب ( الصليبية ) التي تستهدف المسلمين أينما كانوا والذي عبر عنها الحلف الأمريكي ( الإرهاب) في حين وبمداخلة لقد عجز الإعلام الإسلامي أن يعبئ كافة المسلمين ضد الإرهاب المنظم التي تقوده أمريكا ودول أوروبا من خلال مجلس الأمن ضد القوى الإسلامية في العالم ، ومرة أخرى كما ذكرنا أن نقطة الضعف في الموقف الإيراني هو دور الشيعة في العراق ولذلك أعتقد وأمام المواجهة المباشرة مع مخطط الشرق أوسط الجديد على إيران ونفوذها في العراق أن يغيروا من إستراتيجيتهم وأليات عملهم على الساحة العراقية وأن يتحول الشيعة إلى الموقف المقاوم للاحتلال والمنصهر في المقاومة العراقية للجيش الأمريكي ولقوى التحالف ولأن المعركة واحدة .
من هو حزب الله
(ارهاصات)
سبق الوجود التنظيمي لحزب الله في لبنان وجود مشارب فكرية وعقائدية متعددة وكانت في غالبها تعود إلى العراق ولا سيما إلى حزب الدعوة الإسلامي الذي كان يرأسه محمد باقر الصدر، وإلى مدرسة النجف الدينية التي جمعت عددا من طلاب العلم اللبنانيين وأصبح بعضهم جزءا أساسيا من النخبة الدينية الشيعية في لبنان، منهم موسى الصدر مؤسس حركة المحرومين أمل التي يتزعمها حاليا نبيه بري وهو رئيس المجلس النيابي اللبناني أيضا.
وقد اختفى الصدر في ظروف غامضة عام 1978، وفي الفترة الزمنية نفسها اضطلع محمد حسين فضل الله بدور تربوي وسياسي مؤثر في الساحة اللبنانية بلغ أوجه في منتصف الثمانينات متزامنا مع ظهور حزب الله كقوة لبنانية مقاومة للاحتلال الإسرائيلي وللقوى اللبنانية المتحالفة معه، مما دفع كثيرين لوصفه بالمرشد الروحي لحزب الله وهو ما نفاه الحزب وفضل الله نفسه أكثر من مرة، غير أنه لا أحد ينكر أنه كان لفضل الله أثر بالغ على تكوين طلائع حزب الله الأولى من السياسيين والعسكريين وغيرهم.
لا توجد مصادر مستقلة تتحدث بالتفصيل عن طرق إدارة الحزب قبل العام 1989، إلا أن المعلومة المتداولة تفيد أن القيادة كانت جماعية إلى أن انتخب الأمين العام الأول لحزب الله وهو الشيخ صبحي الطفيلي (من عام 1989 حتى عام 1991).
وتولى المنصب من بعده الشيخ عباس الموسوي، ولم يستمر في منصبه أكثر من تسعة أشهر، ومن أهم أعماله إيلاء مقاومة الاحتلال الإسرائيلي الأولوية على ما سواها من الناحية العملية. واغتالته إسرائيل عام 1992 ليقود الحزب من بعده حسن نصر الله حتى الآن.
* البناء التنظيمي :-
يعتقد بعض المراقبين أنه لا يزال البعض من بنية حزب الله تكتنفه السرية ولا سيما تلك المرتبطة بالمقاومة وبعلاقات الحزب خارج الحدود اللبنانية، إلا أن الهياكل التي تنظم عمل الحزب معروفة، وتتسم قراراتها بالشرعية الحزبية والعلنية وتتضمن الأمانة العامة ومجلسا سياسيا ومجلس شورى إضافة إلى مجلس تخطيطي وكتلة نواب وهيئات استشارية متعددة. ويتخذ القرار داخل الحزب بأغلبية الأصوات.
المؤسسات الرديفة :-
نشط الحزب في تقديم خدماته في المناطق التي يكثر فيها الشيعة مثل ضاحية بيروت الجنوبية والبقاع والجنوب اللبناني، مما زاد من شعبيته ومن التفاف أبناء الطائفة من حوله. وكثير من مؤسسات الحزب امتداد لمؤسسات "أم" في إيران. وتعمل أغلبها في الجانب الاجتماعي والتنموي ودعم المقاومة والإعلام مثل تلفزيون المنار.
العلاقة مع إيران :-
جاء في بيان صادر عن الحزب يوم 16 فبراير/ شباط 1985 أن الحزب "ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه، وتتجسد في روح الله آية الله الموسوي الخميني مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة".
ويرى المتابعون لشؤون الحزب أن ارتباطه بإيران ينطلق من مفردات عقائدية حيث إن كل أفراد الحزب هم من اللبنانيين الشيعة، ويعتبرون الولي الفقيه في إيران مرجعا دينيا وسياسيا لهم. ولكن بعد وفاة الخميني تباينت الآراء حول أهلية المرشد الجديد للثورة علي خامنئي، ما فتح الباب لنقاشات احتدت في بعض مراحلها لكنها لم تثن حزب الله عن ارتباطه بالمرجعية الإيرانية في حدها السياسي والحضاري.
ويعتقد أن حزب الله يتلقى دعما ماديا كاملا من إيران إضافة إلى التبرعات وأموال الخمس التي يتلقاها الحزب من مناصريه.
العلاقة مع سوريا :-
بسبب الظروف التي تشكل بها الحزب ولا سيما ظرف المقاومة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي، وجد حزب الله دعما سياسيا ومعنويا من سوريا في علاقة جدلية لم يسبق لها نظير على الأقل في العالم العربي.
ولم تخل تلك العلاقة من مصادمات بين الطرفين كانت أشدها عام 1987 حيث سقط من حزب الله أكثر من عشرين قتيلا، ولكن استطاع الطرفان تجاوز الخلافات والوصول إلى رؤية مشتركة برعاية وتدخل إيراني، وبلغت هذه العلاقة مراحل متقدمة بعد استلام حسن نصر الله قيادة الحزب.
إحدى عمليات حزب الله ضد إسرائيل
شارك حزب الله في بعض مراحل الحرب اللبنانية، واتخذ له بعض المواقع العسكرية على الجبهات الداخلية ولا سيما في بعض المناطق اللبنانية وبخاصة في الضاحية الجنوبية لبيروت. ويحرص مسؤولو الحزب على التمسك بأن دورهم العسكري في بعض سنوات الحرب اللبنانية لم يتعد الدفاع عن النفس.
ودخل الحزب عام 1988 في حرب عنيفة مع حركة أمل الشيعية أسفرت عن مقتل العشرات من الطرفين، وكان حزب الله يعتبرها حربا مفروضة ودفاعا عن النفس.
وتركت هذه الحرب آثارا سياسية واجتماعية سيئة على الطائفة الشيعية وكادت تقسمها إلى طرفين متعاديين. ويحرص حزب الله وحركة أمل على تجاوز هذه الحرب والتأكيد على التكامل بينهما، وهو ما حصل في كل من الانتخابات البلدية والتشريعية التي حصلت في لبنان بعد اتفاق الطائف.
وعلى الصعيد الدولي لا تزال الولايات المتحدة الأميركية تتهم حزب الله بتفجير مقر القوات الأميركية والفرنسية في بيروت في أكتوبر/ تشرين الأول عام 1983، وقد أسفرت تلك العملية عن مقتل 300 جندي أميركي وفرنسي. كما تتهمه بالمسؤولية عن مسلسل خطف الرهائن الغربيين إبان الحرب اللبنانية.
حزب الله والتاريخ :-
يعتبر بعض الباحثين حزب الله ظاهرة فريدة في العالم العربي ويرون أن التاريخ سيحفظ اسمه كحزب مقاوم استطاع أن يلحق هزيمة بالجيش الإسرائيلي ويجبره على الانسحاب من جنوب لبنان، وأن يعقد معه عددا من الصفقات الناجحة لتبادل الأسرى، وأنه استطاع أن يحدث تكاملا بين العمل العسكري والسياسي والإعلامي، حيث كانت ماكينته الإعلامية تعرض عملياته العسكرية الناجحة بينما كانت حركته السياسية تجتهد لحماية ظهر المقاومة محليا وعربيا ودوليا.
كما أنه رغم حرج موقفه السياسي في الداخل اللبناني لم يتنازل تبعا لمعتقداته العقائدية عما يسميه حقه في ملاحقة إسرائيل كقوة احتلال لأرض فلسطين، كما أنه رغم ما يتعرض له من ضغوط دولية لم يتردد في إعلان تأييده للعمليات الفدائية التي تستهدف المجتمع الإسرائيلي، وظل يعتبرها من أهم وسائل التحرير.
التعريف بحزب الله :-
حزب الله هو حركة جهادية إسلامية ، تعود نشأته لسيرورة مركبة إيديولوجية واجتماعية وسياسية واقتصادية لها سياقها الخاص لبنانياً وعربياً وإسلامياً .
وبحكم هذه السيرورة مر حزب الله بجملة من المحطات الرئيسية المفصلية ، يمكن تحديد خط بياني فاصل لها ، أو منعطف حاسم لها هو عام 1982 ، أي العام الذي تم فيه الاجتياح الصهيوني للبنان وصولاً إلى مدينة بيروت التي كانت ثاني عاصمة عربية تُحتل في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي بعد القدس ، وهذا المنعطف هو الذي سرّع في بلورة وحضور حزب الله كحركة جهادية منخرطة تماماً في عملية صراع معقدة وطويلة ومتشابكة مع العدو الصهيوني ، فالاحتلال الصهيوني لفلسطين المحتلة ابتداء ، ثم للكثير من الأراضي العربية في مصر وسوريا والأردن ، ومن ثم الاحتلال الصهيوني للبنان ، شكل الإطار الموضوعي لبلورة الهوية الجهادية المسلحة لـ حزب الله ضد الكيان الصهيوني ، بالقدر الذي شكلت العوامل العقائدية للإسلام تحديداً ، والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للشيعة في لبنان عموماً ، الإطار المحلي لبلورة الهوية الإيديولوجية والسياسية ، وبالتالي العمق السياسي والإيديولوجي لحزب الله كحركة سياسية _ اجتماعية _ إيديولوجية داخلية ، وإذا كان للعوامل الداخلية إرهاصاتها الأساسية في نشأة حزب الله بالمعنى السابق ، إلا أن هناك عامل لا يقل جذرية وحسماً في بلورة هذه الهوية وتأكيد سماتها النوعية الفاعلة حتى الآن ، وهذا العامل يتمثل بالثورة الإسلامية في إيران التي قادها بنجاح آية الله العظمى الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني (قده) هذه الثورة التي أرست مفاهيم جديدة على صعيد الفكر السياسي المتداول إسلامياً أبرزها مفهوم ولاية الفقيه ، كما عممت الكثير من المصطلحات السياسية في الخطاب السياسي الإسلامي في مواجهة الغرب عموماً من قبيل مصطلح الاستكبار والشيطان الأكبر ، والمنافقون ، والمستضعفون إلخ
وبهذا المنعطف وبالنظر إلى العلاقات الوثيقة تاريخياً بين الشيعة في لبنان والشيعة في إيران ، وهي علاقات تتركز على نوع من الارتباط الفقهي _ الديني والاجتماعي المتبادل ، حيث وكما هو معروف فإن إيران تحتضن ثاني أهم حوزة دينية للشيعة في العالم في مدينة قم بعد حوزة النجف الأشرف ، والتي باتت اليوم ، ولأسباب متعددة تشكل الجامعة الدينية الأولى للشيعة في العالم .
من هنا كان طبيعياً أن يترسخ الارتباط الإيديولوجي والفقهي بإيران بعد قيام الثورة وتشييد الدولة الإسلامية ، هذا الارتباط الذي سرعان ما وجد ترجمته المباشرة بالدعم السريع والمباشر الذي قدمته الجمهورية الإسلامية ، وعبر حرسها الثوري إلى حزب الله الناشئ على صعيد مقاومة الاحتلال الإسرائيلي .
فقد كان الارتباط الإيديولوجي والديني بين حزب الله وإيران بعد الثورة ، ولموقف إيران المبدئي من الكيان الصهيوني ، أثره الكبير في رفد حزب الله بكل أوجه الدعم الضروري المادي والمعنوي والقانوني الذي عجل لاحقاً من تحوله إلى أبرز حركات المقاومة للعدو الصهيوني ، بل بات في مرحلة من المراحل لا سيما بعد العام 1985 الحركة الوحيدة على هذا الصعيد .
إن تحول حزب الله إلى حركة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي لم يكن أمراً عارضاً بالنسبة إليه ، فطبيعة الحزب الإيديولوجية التي لا ترى في الكيان الصهيوني أي وجه شرعي ترفع طبيعة التناقض معه إلى درجة التناقض الوجودي ، كما تجعل طبيعة الصراع معه صراعاً شرعياً له بعده الديني المقدس ، فبذور المقاومة الجوهرية تكمن في طبيعة الحزب الإيديولوجية والعقيدية ، وفي طبيعة مبادئه السياسية ولذا فهو في جوهره ، حركة جهادية ، وإن وجدت فرصتها الكبرى للتعبير عن نفسها بالاحتلال الصهيوني للأراضي اللبنانية لا سيما في الجنوب والبقاع الغربي ، ومن هنا نستطيع أن نفهم طبيعة الشعارات المركزية ( حزب الله ) ، والمتمثلة على نحو مركزي بشعار تحرير القدس الشريف ، واتخاذ خطابه السياسي البعد الأممي ( نسبة إلى الأمة الإسلامية ) ، وحمله أيضاً كهدف استراتيجي راية إقامة جمهورية إسلامية .
هذا وقد تمكنت المقاومة الإسلامية من توجيه ضربات قاصمة للعدو الصهيوني فرضت عليه الانسحاب تلو الانسحاب ، كان أبرزها الانسحاب الأول الكبير عام 1985 ، والانسحابات اللاحقة التي فرضت عليه الخروج من منطقة جزين المسيحية المحتلة ، وصولاً إلى فرض خيار الانسحاب الكامل عليه كخيار نهائي ، تاركاً هذا العدو يتخبط في سبيل تأمين سبل إخراجه إلى حيز الوجود .
ودشن حزب الله عبر مقاومته أسلوباً نوعياً في جهاده ضد العدو الصهيوني تمثل بالعمليات الإستشهادية التي ألحقت خسائر نوعية في العدو على كافة المستويات ، العسكرية والأمنية والنفسية، كما شكلت رافعة معنوية هائلة على صعيد الأمة .
ومن الضروري الإشارة ، هنا إلى أن المقاومة استطاعت أن تحظى بمصداقية كبيرة على الصعيدين الشعبي والرسمي ، المحلي والإقليمي والدولي ، حتى أن الولايات المتحدة نفسها ، أعلنت في أحد مواقفها الرسمية أنها ترى في المقاومة حركة مبررة على صعيد مجابهة الاحتلال الإسرائيلي.
كما شكلت المقاومة محور إجماع وطني داخلي رسمي وشعبي قلما حظي به محور من المحاور اللبنانية الداخلية ، وهذه النقطة جديرة بالوقوف عندها وإذا ما أخدنا بعين الاعتبار طبيعة المجتمع اللبناني المنقسم على نفسه دينياً وطوائفياً ومذهبياً وإيديولوجياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً … إلخ
واليوم حزب الله هو أحد أبرز الأحزاب السياسية اللبنانية حيث له حضوره في المجلس النيابي (8 نواب) ، ويشكل ، بالتالي ، أحد أهم نقاط التوازن في الحياة السياسية والاجتماعية الداخلية ، فضلاً عن أحد أبرز أوجه حضور وفاعلية هذه الحياة .
وحزب الله يحظى اليوم باحترام كبير على الصعيد السياسي حيث برهن عن قوة حضور وفاعلية ذات مستوى عالٍ من العقلانية والمناقبية والمبدئية والاحترام للآخرين ، ممّا جعله يدشن نهجاً سياسياً مميزاً عما كان سائداً ومألوفاً .
هذا في جانب ، وفي جانب آخر ، فإن حزب الله يرى نفسه معني أيضاً بتقديم الإسلام الذي يخاطب العقل والمنطق ، معني بتقديم الإسلام الواثق بأسسه ومبادئه ، وفهمه الحضاري المتقدم للإنسان والحياة والكون .
كما أنه برى نفسه معنىٍ بتقديم الإسلام الواثق بقدرته على تحقيق أسس الحق والعدل ، كما أنه مهتم بالتعريف بالإسلام القادر على الدخول إلى قلوب كل الأمم على تعدد مشاربهم وانتماءاتهم السياسية والثقافية ، وخبراتهم الضخمة بعيداً عن الذاتية والعجب ، كما أنه متلهف لتقديم الإسلام كصائن لحقوق الإنسان في خياراته ، وتلقى قناعاته واعتناق اعتقاداته ومبادئه والتعبير عنها على المستوى الاجتماعي ، كما أنه ميال لتشكيل قوة ضغط سياسية ، وإلى تأسيس نهج خاص في التعليم والتربية ، وإلى تقديم مختلف الخدمات لا سيما في المجالين الطبي والتربوي والإنساني ، كما لحزب الله مشروعه الثقافي الخاص الذي يعتمد الإقناع والاستقطاب من خلال الوسائل الإنسانية الحضارية كما هو منصوص عليها في شرعة حقوق الإنسان ، بعيداً عن استعمال العنف والقوة والإكراه .
كما ويجب أن يكون واضحاً أن نوع الإسلام الذي يريده حزب الله هو مشروع حضاري يرفض الظلم والإذلال والاستعباد والإخضاع والاستعمار والابتزاز ، كما أنه يمد يده للتواصل بين الأمم على قاعدة الاحترام المتبادل ، الإسلام الذي يعنى به هو الإسلام الذي لا يقبل السيطرة أو تقويض الآخرين للتلاعب بالحقوق ومصالح الأمة ، الإسلام الذي يعني به هو الإسلام الذي يعتمد التواصل بين الحضارات ويرفض مقولة الصدام الحتمي بينها ، لأن الإسلام يؤمن بالتواصل الثقافي بين الأمم ويرفض الحواجز الموضوعة والحظر ، ويرى أن من حقه إزالة هذه الحواجز من خلال الوسائل الدبلوماسية ، ولكن عندما ينوي الآخرون شن الحروب ضده فإن حزب الله يرى أن من حقه الطبيعي الدفاع عن نفسه.
الإسلام الذي ينهجه حزب الله هو رسالة تهدف لتأسيس الأمن والعدل والسلام والحق لكل الناس لأي دين أو عرق انتموا ، حزب الله ليس لديه أية عقدة تجاه الآخرين ، ولكنه يشعر بالمسؤولية تجاههم لجعلهم يفهمون جوهر الإسلام بعيداً عن التعصب والقهر .
كما أن حزب الله لا يبغي تطبيق الإسلام بالقوة أو العنف ولكن من خلال أداء سياسي سلمي ، الذي يعطي الفرصة للأغلبية في أي مجتمع أن تقبل ذلك أو ترفضه ، فإذا أصبح الإسلام خيار الأكثرية فإنه يطبقه ، وأما إذا كان العكس فإنه يستمر بالتعايش مع الآخرين وبناء سبيل الحوار والتعارف معهم في سبيل الوصول إلى الاعتقادات السليمة ، فهو يؤكد أن الإسلام الذي يتبناه ينبذ العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة ، وهذا ما يجب أن تكون عليه المعادلة بالنسبة لغير الإسلاميين أيضاً .
الوصف العام:-
حزب الله هو حركة جهادية إسلامية ، تعود نشأته لسيرورة مركبة إيديولوجية واجتماعية وسياسية واقتصادية لها سياقها الخاص لبنانياً وعربيا وإسلاميا.
وبحكم هذه السيرورة مر حزب الله بجملة من المحطات الرئيسية المفصلية ، يمكن تحديد خط بياني فاصل لها ، أو منعطف حاسم لها هو عام 1982 ، أي العام الذي تم فيه الاجتياح الصهيوني للبنان وصولاً إلى مدينة بيروت التي كانت ثاني عاصمة عربية تُحتل في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي بعد القدس ، وهذا المنعطف هو الذي سرّع في بلورة وحضور حزب الله كحركة جهادية منخرطة تماماً في عملية صراع معقدة وطويلة ومتشابكة مع العدو الصهيوني ، فالاحتلال الصهيوني لفلسطين المحتلة ابتداء ، ثم للكثير من الأراضي العربية في مصر وسوريا والأردن ، ومن ثم الاحتلال الصهيوني للبنان ، شكل الإطار الموضوعي لبلورة الهوية الجهادية المسلحة لـ حزب الله ضد الكيان الصهيوني ، بالقدر الذي شكلت العوامل العقائدية للإسلام تحديداً ، والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للشيعة في لبنان عموماً ، الإطار المحلي لبلورة الهوية الإيديولوجية والسياسية ، وبالتالي العمق السياسي والإيديولوجي لحزب الله كحركة سياسية _ اجتماعية _ إيديولوجية داخلية ، وإذا كان للعوامل الداخلية إرهاصاتها الأساسية في نشأة حزب الله بالمعنى السابق ، إلا أن هناك عامل لا يقل جذرية وحسماً في بلورة هذه الهوية وتأكيد سماتها النوعية الفاعلة حتى الآن ، وهذا العامل يتمثل بالثورة الإسلامية في إيران التي قادها بنجاح آية الله العظمى الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني (قده) هذه الثورة التي أرست مفاهيم جديدة على صعيد الفكر السياسي المتداول إسلامياً أبرزها مفهوم ولاية الفقيه ، كما عممت الكثير من المصطلحات السياسية في الخطاب السياسي الإسلامي في مواجهة الغرب عموماً من قبيل مصطلح الاستكبار والشيطان الأكبر ، والمنافقون ، والمستضعفون إلخ
وبهذا المنعطف وبالنظر إلى العلاقات الوثيقة تاريخياً بين الشيعة في لبنان والشيعة في إيران ، وهي علاقات تتركز على نوع من الارتباط الفقهي _ الديني والاجتماعي المتبادل ، حيث وكما هو معروف فإن إيران تحتضن ثاني أهم حوزة دينية للشيعة في العالم في مدينة قم بعد حوزة النجف الأشرف ، والتي باتت اليوم ، ولأسباب متعددة تشكل الجامعة الدينية الأولى للشيعة في العالم .
من هنا كان طبيعياً أن يترسخ الارتباط الإيديولوجي والفقهي بإيران بعد قيام الثورة وتشييد الدولة الإسلامية ، هذا الارتباط الذي سرعان ما وجد ترجمته المباشرة بالدعم السريع والمباشر الذي قدمته الجمهورية الإسلامية ، وعبر حرسها الثوري ، إلى حزب الله الناشئ على صعيد مقاومة الاحتلال الإسرائيلي .
فقد كان الارتباط الإيديولوجي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دراسات سياسية | السمات:دراسات سياسية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























